رئيس مجلس الإدارة أحمد الشناوي

رئيس التحرير محمد يوسف

صفوت عمرانصفوت عمران

 30 يونيه لا تأكل أولادها!

طباعة

الثلاثاء , 08 اكتوبر 2019 - 01:45 مساءٍ

في مناسبة عامة الأسبوع الماضي التقيت صديقا نافذا في بعض دوائر صنع القرار بعد السلامات قال لي بجدية واضحة: "أنقذت رقبتك من الحبس.. فقد سألني عنك أحد الأشخاص الذين يعملون في الجهاز الأمني كذا.. وقلت له أنت فقط صاحب رأي حر.. لكن أغلب عائلتك كانت في الحزب الوطني.. ومساندين للدولة.. وأنا أعرفك جيدا وأنك رجل وطني حر لديك رؤية إصلاحية لكن بعيدة عن الجماعات المتطرفة وكنت أحد الفاعلين في ثورة 30 يونيه.. لدرجة أني قلت له إنك أصلا مش بتصلي".. وعندما سمعت "إنك أصلا مش بتصلي" انفجرت من الضحك حتي دمعت عيناي.. ألهذه الدرجة أراد صديقي إنقاذي من المستقبل المجهول لدرجة أنه برأني من أداء أحد أركان الإسلام، ولو لم أقاطعه ضاحكاً ربما أخبرني بأنه قال عني أكثر من ذلك.. فقلت له يا صديقي الإسلام دخل مصر قبل 1400 عام بينما الجماعات المتطرفة التي صنعت على يد أجهزة الاستخبارات الغربية لم تظهر إلا في القرن التاسع عشر، لذا لا يليق أن نصور الأمر وكأن تلك الجماعات هي الدين الإسلامي فهو منها ومن أفعالها بريء.. ثم لا يليق أن نتهم كل شخص يمتلك رؤية إصلاحية للوطن بأنه معادٍ للدولة.. أعتقد يا صديقي أنت تبالغ.. فالرجل بالتأكيد كان يريد أن يعرف معلومات عن شخصي وليس إلقاء القبض عليّ .. فالواقع أنت أو غيرك لا يستطيع منع القبض عليّ إذا كان هناك مخالفة قانونية ضدي.. فهذه الأجهزة -ويوجد بها أقارب وأصدقاء أعزاء - لا تجامل على حساب الوطن.. لذا فكلامه معك لم يكن إلا في إطار دردشة عابرة.. لا تنزعج.

منذ ساعات التقيت صديقا آخر فقال لي بكل جدية: "بيقولولي إنت مش مرضي عنك أمنيا.. وإنك مصنف كصحفي مشاكس.. وأن تناولك النقدي لأوضاع البلد لن يجعلك تحظى بأي موقع.. بل وأن الكثير من متابعيك يكتبون فيك تقاريرا تذهب للجهات الأمنية" .. هذه المرة لم أضحك.. ولم أقلق .. لكن قررت أن أكتب عن مسألة "الرضا الأمني".. فيبدو أن هناك لبسا لدي الكثيرين أن الأجهزة الأمنية في مصر تتعامل بهذه العشوائية والسطحية أو تكتب تقاريرها بمنطق المكايدة.. أو تعتمد على مخبر مغرض هنا أو زميل حاقد هناك أو منافس بلا ضمير في ذلك العمل أو تلك المؤسسة.. فهذا لا يمت للحقيقة بصلة.. الأجهزة تعتمد على معلومات دقيقة وتقارير متنوعة ومن أكثر من مصدر وتعرف تماما الفارق بين المعارضة المأجورة والموظفة لخدمة الخارج وبين المعارضة المبتزة من أجل مصلحة هنا أو مكسب هناك، وأيضا تعرف المعارضة أو الانتقاد الإصلاحي من أجل الوطن.. وطبعاً كل ذلك يختلف عن المعارضة المصنوعة تحت عين الأجهزة.. لكن لا يليق أن يشيع البعض عنها أنها لا ترحب إلا "ببتوع كله تمام" من "كدابي الزفة" ومنافقي كل العصور فقد أثبت تطور الأحداث الأخيرة أنهم سبب كل بلاء.. وأن "المتغطي بهم عريان"، فهؤلاء ساعة الخطر "لا بيرجموا ولا بيجيبوا طوب".

فالوطن في حاجة إلى شركاء مستنيرين وليس خدامين لا ولاء لهم سوا لسيدهم الجديد، بل كلي ثقة أن الأجهزة الأمنية تقدر أصحاب الرؤية الإصلاحية، بل وتحترمهم وتتابع كل ما يطرحوه من أفكار وحلول للاستفادة بها في بناء الوطن وإخراجه من أزمته، وهذا ما أشاهده عندما ألتقي المسؤولين في مختلف المواقع.

لم يحركني "الرضا الأمني" يوما .. ولم يشغل بالي .. في كل مواقفي، كنت دائما ومازلت أفعل ما أراه صوابا.. ما أراه صحيحا.. ما أراه في صالح الناس وفي صالح الوطن.. ودائما كنت أرفض كلام من يقول إن ذلك قد يغضب الأمن.. لأن الأجهزة الأمنية المفترض أنها تعمل من أجل الوطن.. وبالتالي عليها أن تشكر أمثالنا ممن ينيرون الطريق، ويوضحون السلبيات لعلاجها، ويؤكدون على الإيجابيات لتعظيمها ..منذ أن كنت طالبا، ثم عملي في جريدة الجمهورية ثم متابعتي ثورة يناير ثم انضمامي لحزب الوفد في 2012 ثم مشاركتي في طليعة ثورة 30 يونيه2013 ضمن تكتل القوى الثورية الوطنية، ثم مشاركتي ضمن 50 شابا رموز شباب 30 يونيه في تعديل خريطة الطريق مع الرئيس السابق المستشار عدلي منصور، ثم تأسيسي قسم الشؤون السياسية بجريدة الجمهورية كأول رئيس له في تاريخ الصحيفة العريقة، لا يشغلني إلا قول وفعل ما أراه صوابا.. وليس لدي ما أخفيه فرؤيتي أطرحها في العلن ويراها ويسمعها الجميع.. لا يشغلني أن ينقلها مخبر سواء كان بدرجة صحفي أو بدرجة محدث سياسة أو من لصوص الجلسات.. فليس لدي ما أخفيه.. ويدرك الجميع من خلال مراجعات متكررة أن ما أكتبه أو أقوله من أجل الوطن، والوطن فقط.. ولا يجب أن تأكل الثورة أولادها.

أذكر أنني في 2014 وأثناء لقاء عدد من طليعة شباب 30 يونيه، مع المهندس إبراهيم محلب رئيس الوزراء وقتها، قلت في كلمتي امام الجميع، متى يتم تغيير اللواء محمد إبراهيم وزير الداخلية بعد تصاعد الأعمال الإرهابية بشكل مزعج، وبالطبع هنا لا أنكر دور الرجل في 30 يونيه لكن أتحدث عن حاجتنا لقيادة تناسب الظروف، وأذكر أن الخلوق اللواء ابوبكر عبدالكريم المتحدث باسم الوزارة في ذلك الوقت والذي عرفت في وقت لاحق أنه بلدياتي من سوهاج، تحدث معي بهدوء وشرح لي طبيعة الوضع الأمني، ولم يغضب، بل أدرك أن كلامي نابع من مسؤولية وطنية، لذا هل يتوقع أحدهم بعدما طالبت بإقالة وزير الداخلية لاعتراضي على أدائه، أنني يمكن أخاف وشاية مخبر، أو ادعاء أحد أطفال أنابيب السياسة، فهؤلاء لا يشغلون بال أحد، ولا تلقي أجهزة الدولة لهم بالا، إنما لدينا مؤسسات أمنية تعمل على أعلى مستوى وبكفاءة تجعلها في المقدمة إقليمياً ودولياً.

أذكر أنه في مسلسل رأفت الهجان الشهير، الكاتب صالح مرسي مؤلف المسلسل ذكر لقطة مهمة جدا، أشار فيها للمجموعة التي كانت حول رأفت في إسرائيل حيث كان منهم ضباط جيش وتجار وسياسيين، هؤلاء كانوا يدافعون عن تصرفات الحكومة ويرقصون ويغنون ويطبلون لأي عمل تقوم به؛ إلا واحدة هي "سيرينا أهاروني" التي قامت بدورها الممثلة القديرة "تهاني راشد"، كانت الوحيدة التي "تنتقد" تصرفات الحكومة بل أحيانا تدافع عن مواقف العرب وتهاجم أفعال حكومتها لدرجة أن رأفت نفسه كان يغضب منها حتى يحبك دوره، ولما عرض رأفت الأسماء والصفات على القيادة المصرية آنذاك كي تختار بعضهم للتجنيد لصالح مصر، وكان يظن أن أول شخص سيقع عليه الاختيار هي "سيرينا" لكن العكس هو ما حدث فقد رشحت المخابرات أسماء المزمرين والمطبلين والمصفقين كي يتم تجنيدهم.. وهنا تعجب رأفت من عدم اختيار "سيرينا أهاروني" وهي أشد المنتقدين للحكومة الإسرائيلية ومتعاطفة مع العرب؟! لكن الجواب كان بأن سيرينا أهاروني هي آخر شخص تفكر بتجنيده لأنها: "أكثرهم وطنية وإخلاصا لوطنها" .. وهنا ندرك القاعدة: "لا يعني أنك عندما تنتقد السلبيات تكون خائنا وعميلا، بل فى الغالب يكون العكس، ويكون المطبلون أول من يبيعون الأوطان وشعاراتهم الكاذبة".

أيضا في الجزء الثالث من مسلسل "كلبش" دار الحوار التالي بين اثنين من ظباط الأمن الوطني هما جلال بيه "أحمد عبدالعزيز" وعوني "أشرف مصيلحي" عن أحد السياسيين .. عوني: يعني كده حضرتك شايف إن محمود علوان راجل وطني؟!،

جلال بيه: 100 في الـ 100

عوني: بالرغم من إنه معارض طول الوقت!!

جلال بيه: وهو يعني علشان يكون وطني لازم يوافق على كل حاجة؟!.. طيب ما في حاجات ساعات إحنا ما بنوافقش عليها، بس كل اللي يهمني هو بيقول الكلام ده من دماغه علشان مقتنع بيه، ولا مزقوق يقوله وقابض ثمنه؟! بيقول الكلام ده علشان شايف إن هي دي المصلحة، ولا بيقوله علشان يهيج الدنيا والسلام؟! تفرق كتير، وهو ده الفرق بين الوطنية والخيانة.

عوني: يا فندم ده من ساعة ما عرفناه وهو عامل زي الشريك المخالف وياما حصلت مشاكل بسببه وبسبب كلامه..

جلال بيه: يمكن رأيه.. يمكن بيقول الكلام ده عشان الناس تحبه وتتعاطف معاه وتتكلم عنه.. كل ده ميهمنيش.. انا كل اللي يهمني يا عوني.. ان محمود علوان.. لغاية انهارده باين انه راجل وطني.. بيحب البلد دي.. وزي ما هو بيحبها وبيخاف عليها.. احنا كمان لازم نخاف عليه.. لكن لو جه اليوم اللي نكتشف فيه ان محمود علوان بيلعب بديله.. انا شخصيا هكون اول واحد يقطعهوله.. وساعتها مش هرحمه.

هذا يجعلنا نحذر من تكرار ما حدث مع وزير مالية مبارك "يوسف بطرس غالي" في بداية حياته العملية، عندما سأل عمه السكرتير العام السابق للأمم المتحدة "بطرس غالي": ما هو طريق الصعود في مصر..؟ فجاء رد "غالي الكبير" وبخبرة السنوات مستخدما التعبير الكنسي القديم الذي شاع استخدامه في العصور الوسطي: "أطفئ مصابيح عقلك....." فقد كانت تلك النصيحة شديدة الخطورة والعمق في ذات الوقت.. لأنها بوضوح تعني أنه في مصر لا صعود لمن يمتلك العقل والفكر والقدرة علي التخطيط والنجاح ... في مصر نحن لسنا في حاجة إلى شركاء.. في مصر لا نحتاج مبدعين أو مفكرين.. نحتاج فقط تابعين ومنفذين.. ويفضل ألا يكون لديهم قدرة علي المناقشة أو محاولة الفهم .. فالقاعدة: "نحن لسنا في حاجة لعقلك سوف نفكر بدلاً منك.. ونقرر بدلاً منك.. ونقول لك ما يجب عليك فعله، بل وما يجب عليك قوله" ... وهو خطر لو تعلمون عظيم.

الواقع أن تجربة بطرس غالي كانت تكفي في أيام سابقة... إلا أنه أضيف عليها خلال السنوات العشرين الأخيرة: أن تكون "تحت السيطرة" أو "علي راسك بطحة" ولا يكفي حبك وإخلاصك للدولة.. فأصبحت القاعدة: "من لا يوجد عنده غلطة، لا نأمن أن يخرج يوما صوته الحر... ولا نأمن أن يخرج عن النص..."، وذلك ترجمة للنكتة التي أطلقها خصوم الرئيس أنور السادات حيث قالوا: "إن الرئيس الراحل أراد تعيين وزير .. فقال له معاونوه: إنه رجل نظيف يا فندم.. فرد السادات: خدوه وسخوه وهاتوه نعينه"، إلى هنا وانتهت النكتة الساخرة والسوداء إلا أنه يبدو في سنوات لاحقة تحولت إلى واقع مر نعيشه.. وبات البعض يلصق ذلك بالدولة، وهو ما يستوجب على الدولة "رئيس وحكومة وبرلمان وأجهزة أمنية" أن تنفيه وبقوة، وتعتمد على أهل الكفاءة والخبرة وتضع الرجل المناسب في المكان المناسب فقد أثبتت الأيام فشل أهل الحظوة بل الكثير منهم صدّر الأزمات للنظام بكل مكوناته.

الحقيقة.. إن كل ما يحدث حولنا يدعوا لاتخاذ العظة من تجارب الآخرين حتي لا نواجه نفس المصير المؤلم ... فعندما انهار الاتحاد السوفيتي في بداية تسعينيات القرن العشرين... بحثوا عن أسباب الانهيار حيث اكتشفوا مئات الجواسيس في مختلف المواقع إلا أنه لفت نظرهم جاسوس واحد، لم يشك فيه أحد من قبل، ولم يلحظوا أي علامة تثير الشك فيه أبدا .. هذا الجاسوس كان يعمل في وظيفة غاية في الأهمية حيث كان يتولى كتابة تقارير تحدد من يصلحون لشغل المواقع القيادية في الدولة أو من لا يصلحون!! .. فسألوه ماذا كان دورك حيث لم ترسل رسالة واحدة لأحد، ولم ترتكب أي فعل يجعلنا نشك فيك أو في ولاءك للبلد ... إذن ما دورك؟! .. فقال: كان دوري فقط أنه إذا تم ترشيح أكثر من شخص لاختيار أحدهم لموقع قيادي، اختار وأُزكى وأشيد بأسوأهم، وهو ما يعني أنه بعد سنوات تنهار الدولة من تلقاء نفسها كنتيجة حتمية لانهيار مؤسساتها ..وهو ما حدث بالفعل عام 1990!!

ذات مرة، سئل أحد السياسيين في فترة ما قبل ثورة يناير 2011 .. ألا تخاف من مراقبة النظام لك عبر عشرات من المخبرين وكاتبي التقارير السرية ومنهم أعضاء في حزبك وعاملين في شركتك وسياسيين متعاملين معك فقال: لا أخشى من مراقبة الأمن لي فأنا لا أفعل شيئا ضد بلدي... بل أعرف إنهم يراقبونني بحكم موقعي وهذا أمر منطقي... ما أخاف منه حقا أن هؤلاء المخبرين لا ينقلون ما أقوله أو أفعله بدقة.. وكل ما أرجوهم فعله أن يتحروا الصدق والدقة فيما يكتبوه عني وألا يضيفوا بهارات من خيالهم أو يختلقوا وقائعا وقصصا لم تحدث.

لذا رجاء من كل مخبر أو كاتب تقارير سرية.. من فضلك تحري الدقة فيما تكتب أو تنقل... يجب أن تكون قدوة في المجتمع ونموذجا يحتذى في مراعاة الضمير... باختصار: "ممكن تتلصص لكن متكدبش".

أخيرا.. أنا صحفي وأنت مخبر.. وحتي إذا دار الزمن دورته الكاملة كما تريد.. لن يتغير الأمر كثيرا .. سوف أصبح كاتباً صحفياً كبيراً، وسوف تصبح مخبرا بدرجة رئيس تحرير.

خارج النص: يعجبني المخبر اللي لما تكشفه يكمل ويستمر معاك ويعمل نفسه مش واخد باله.. إنما المخبر اللي بيختفي بعد ما تكشفه ده طري وقلبه خفيف.. المخبر، اللذقه, رزق.

خارج الكادر: فيها حاجة حلوة.....؟! أكيد فيها حاجة حلوة... من يفقد الأمل يموت ... أوعوا تفقدوا الأمل في أن بكره أحلى.. تبني الأوطان بعقول أولادها المخلصين والشرفاء... واثق في أن الدولة تحرص على ذلك أو يجب أن تحرص على ذلك.

درجات الحرارة
  • - °C

  • سرعه الرياح :
اسعار العملات
  • دولار أمريكى :
  • يورو :
  • ريال سعودي :

هل تؤيد الخيار العسكرى في أزمة سد النهضة ؟

نعم
80%
لا
20%