رئيس مجلس الإدارة أحمد الشناوي

رئيس التحرير محمد يوسف

"راجح قاتل".. كان هذا الشعار الذي تصدر جميع منصات وسائل التواصل الاجتماعي على مدار الأيام الماضية كرد فعل على جريمة القتل الشنعاء التي راح ضحيتها الشاب محمود البنا على يد أحد البلطجية ليس لذنب سوى أن "الشهيد البنا" تصرف بشهامة ومروءة وإنسانية وجدعنة أولاد البلد وأخلاق القرية عندما حاول منع القاتل راجح من معاكسة إحدى الفتيات، فكان جزاؤه طعنة غادرة قاتلة لأنه تجرأ وقال للبلطجي عيب.

وفي واقع الحال لم تكن هذه هي الجريمة المدوية الوحيدة بل أننا وبكل أسف نكاد نكون قد تعودنا على مشاهدة مثل هذه الجرائم الشاذة على مجتمعنا الملتزم المحافظ بل سبقته جرائم عديدة مشابهة، ولعلنا لن نكون متشائمين إذا قلنا أنها لن تكون الأخيرة ما دام السبب موجوداً ولا نستطيع التصدي له .

وتمثل هذه الإشكالية المستعصية على الحل تحدياً خطيراً أمام المجتمع المصري الذي بات محاصراً بفعل شيوع بعض القيم الهدامة التي تحث على البلطجة والرذيلة وارتكاب جميع الموبقات دون رادع أخلاقي أو ديني أو حتى قانوني ، وبالبحث والتنقيب سنجد أن الرابط وراء هذه الجرائم ربما يكون واحداً يتمثل في ذلك النموذج المشين الذي يقدمه الممثل محمد رمضان في أغلب ، إن لم يكن جميع ، مسلسلاته وأفلامه من جرعات رهيبة من العنف والبلطجة والقتل بل والتفنن في إذلال الخصوم .

فمع الاعتراف بما يعانيه مجتمعنا من ارتفاع نسبة الأمية وغياب مؤسسات التنشئة الاجتماعية من مدارس ودور عبادة وقبل منهم الأسرة عن القيام بدورها المنوط بها في إعداد الأبناء ليكونوا مواطنين أسوياء وصالحين ونافعين لأنفسهم ووطنهم ، يستغل "نمبر وان" حالة الفراغ هذه لينفث سمومه في عقول وسلوكيات النشء الذي يتربي على مشاهد الدماء وإخضاع غريمه "عصام النمر" بإجباره على ارتداء قميص النوم في الشارع والتي تحولت إلى تيمة محببة في "خناقات الشوارع" لا يكتمل الانتقام والقوة إلا بتكرارها أمام عيون المارة والجيران الذين يتابعون بشغف تارة و"مصمصة الشفاه" تارة أخرى أحداث هذه المآسي الأخلاقية وهم لا يتجرأون حتى على إنقاذ الضحية وليس ردع المعتدي .

ومع كامل التقدير للآراء التي ترفض تحميل "الأسطورة" ورفاقه من عينة "ابراهيم الأبيض" وخلافه مسئولية ما وصلنا إليه من ترد في السلوك والأخلاق والدخول في دوامة العنف والقتل ، فإنه لا يستطيع كائن من كان استبعاد الدور الكبير الذي تمثله مثل هذه الأفلام في تعويد المشاهدين على مناظر العنف والدم والإجرام ، بل وتزرع القيم الهدامة في نفوس الشباب والأطفال الذين وبكل أسف يعتبرون أن "عبده موتة" أو "إبراهيم الأبيض" قدوة ومثل أعلى بالنسبة لهم .

وقد بات ملحوظًا تقليد الشباب للفنانين فور عرض أعمالهم الفنية ففي التسعينيات اتجه معظم الشباب إلى تقليد قصة شعر الفنان أحمد زكى عقب عرض فيلم كابوريا وهو ما شهدناه حرفيا بعد عرض مسلسل الأسطورة، حيث اندفع الكثيرون إلى تقليد شخصية ناصر الرفاعي، في تسريحة شعره ولحيته وطريقة كلامه.

فعلى مدار التاريخ يشهد الشارع المصري وخصوصاً الأحياء الشعبية والعشوائيات ، التي تعتبر قنابل موقوتة وبؤر لتفريخ الإجرام ، أحداث عنف وبلطجية عبر سنوات طويلة ؛ إلا أن الجديد هذه الأيام حجم الاحتفاء الذي تقابل به أدوار "البلطجي الأسطورة" ، والتأثير الذي تركه في مشاهديه والرأي العام بشكل غير مسبوق.

حيث تمكن "رمضان" ورفاقه من التعبير عن صورة البلطجي الموجود بالشارع المصري بدقة وإتقان شديدين ؛ بل زاد إليها ملامح جديدة، وأبعاداً أضيفت إلى الصورة التقليدية للبلطجي الذي كان يحيط وسطه ومعصميه بأساور معينة ، فتحول البلطجي على يدي "رمضان" إلى شاب أنيق ، يحظى باحترام ومهابة ، بالإضافة إلى جذبه للفتيات بشكل مبالغ فيه ، ويحصل على حقوقه بمنتهى القسوة والأناقة في آن واحد.

اللافت أن وسائل الإعلام المغيبة هي الأخرى لم تتأخر في "تجميل" صورة البلطجي "المودرن" ، إذ فوجئ الجميع بأنه يجلس في الصف الأول إلى جوار عديد من كبار رجال الدولة ؛ ممّا أعطى الشخصية اهتماماً غير عادي ، سمح لها بالتغلغل في أوساط الشباب في مصر بشكل واسع؛ كانت أهم ثماره انتشار صور "البلطجي" على "تشيرتات" شبابية تمت طباعتها بحيث تحول إلى أيقونة للشباب.

ومن أرض الواقع.. فقد تكررت أحداث "التقليد الأول لانتقام ناصر" بمسلسل الأسطورة في محافظة الفيوم ، حيث قام أفراد عائلة بإجبار زوج ابنتهم على ارتداء قميص نوم ، والطواف به في شوارع القرية.

كما شهدت منطقة حلوان "جنوب القاهرة" أحداثاً مشابهة؛ حيث غازل "مسجل خطر" زوجة أحد المسجلين الآخرين المحبوس على ذمة إحدى القضايا، فما كان منها إلا أن أبلغت شقيق زوجها "المسجل أيضاً"، والذي استعان على الفور بعدد من أصدقائه ، وبدأوا محاكاة مشهد "الأسطورة"؛ حيث اعتدوا على الشخص الذي تحرش بالسيدة بالأسلحة البيضاء ، ثم جردوه من ملابسه فى الشارع وأجبروه على ارتداء "قميص نوم" وسط ذهول أهالي المنطقة.

الخلاصة إذاً أن ما يشاهده أبناؤنا في الأفلام والمسلسلات فإنهم يتخذون منه أسلوب حياة يومي ، لذا فمن أخطر ما يمكن ترك الساحة لمثل هذه الجرعات السامة التي بالمناسبة يفوق تأثيرها خطر الإرهاب والتطرف .. فلابد من تصحيح هذه البوصلة قبل وقوع مزيد من الكوارث هذا إن كنا حقاً نريد الخير لوطننا وأبنائنا .. وربنا يستر.

درجات الحرارة
  • - °C

  • سرعه الرياح :
اسعار العملات
  • دولار أمريكى :
  • يورو :
  • ريال سعودي :

هل تؤيد الخيار العسكرى في أزمة سد النهضة ؟

نعم
70.588235294118%
لا
29.411764705882%