رئيس مجلس الإدارة أحمد الشناوي

رئيس التحرير محمد يوسف

الاتفاق التركي- الليبي.. أنقرة تزجّ بحكومة الوفاق في صراع شرق المتوسط

طباعة

السبت , 30 نوفمبر 2019 - 09:12 مساءٍ

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مع فايز السراج رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الليبية
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مع فايز السراج رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الليبية

فتح المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الليبية بوابة الجحيم على نفسه، ودخل في دائرة الصراع الإقليمي والدولي الذي يتبلور في منطقة شرق المتوسط بين تركيا من جهة واليونان وقبرص المتحالفتين مع مصر والمدعومتين من قبل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة من جهة أخرى، في قضية الغاز شرق المتوسط والاستفزازات التركية في تلك المنطقة.

وضع فائز السراج، رئيس المجلس الرئاسي، حكومته في مأزق خاصة من خلال الاتفاق البحري الذي أبرمه مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، رغم أنه لا توجد حدود بحرية مباشرة تجمع بين ليبيا وتركيا.

ولا تبدو المبررات التي ساقها وزير خارجية الوفاق محمد سيالة مقنعة، وقال سيالة “هي مذكرة تفاهم تعنى بالحقوق البحرية، وتحمي السيادة الليبية في ما يتعلق بالمناطق البحرية للدولتين المتقابلتين وتحدد حقوق كل منهما، ومكاسبنا فيها حماية هذه المنطقة وسيادة ليبيا على منطقتها وفقا لما حدده قانون البحار الدولي”.

وأضاف “نأمل ألا تقلق هذه الاتفاقية الاتحاد الأوروبي، فالدول المقابلة التي لم يتم الاتفاق معها، نحن على استعداد للاتفاق معها لتحديد المناطق البحرية، خاصة وأن اللجوء إلى قواعد القانون الدولي أمر حضاري”.

وتعتمد الاتفاقية على مبدأ المنطقة الاقتصادية الخالصة، وهي وفق اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، منطقة بحرية تمارس عليها دولة حقوقا خاصة في الاستغلال واستخدام مواردها البحرية، وتمتد إلى مسافة 200 ميل بحري مقيسة من خطوط الأساس الذي يبدأ منها قياس البحر الإقليمي من أحد أوجه التطور الهامة التي استحدثتها اتفاقية البحار الجديدة من أجل تحقيق التوازن بين مختلف المصالح.

وعرفت المادة 55 من اتفاقية قانون البحار المنطقة الاقتصادية الخالصة بأنها “منطقة واقعة وراء البحر الإقليمي وملاصقة له، يحكمها النظام القانوني المميز المقرر في هذا الجزء وبموجبه تخضع حقوق الدول الساحلية وولايتها وحقوق الدولة الأخرى وحرياتها للأحكام ذات الصلة من هذه الاتفاقية”، ولا تمتد المنطقة الاقتصادية أكثر من 200 ميل بحري من خطوط الأساس التي يقاس منها عرض البحر الإقليمي.

وللدولة الساحلية في المنطقة الاقتصادية الخالصة حقوق سيادية لغرض استكشاف واستغلال الموارد الطبيعية، الحية منها وغير الحية، للمياه التي تعلو قاع البحر ولقاع البحر وباطن أرضه، وحفظ هذه الموارد وإدارتها، وكذلك في ما يتعلق بالأنشطة الأخرى للاستكشاف والاستغلال الاقتصاديين للمنطقة، كإنتاج الطاقة من المياه والتيارات والرياح.

وكانت ليبيا أعلنت في مايو 2009 المنطقة الاقتصادية الخالصة لها. وقالت إنها متفتحة على عقد اتفاقيات دولية لترسيم الحدود البحرية. بناء على قانون البحار الإقليمية، الصادر في 18 فبراير 1959، فإن عرض المياه الإقليمية الليبية هو 12 ميل بحري. كما أعلنت منطقة حماية مصايد الأسماك بعرض 62 ميل، بداية من الحد الخارجي للبحار الإقليمية. وفي 1 أبريل 2005 أودعت إعلانها بالأمم المتحدة.

وفي 27 مايو 2009، أعلن المؤتمر الشعبي العام الليبي (البرلمان السابق) منطقة اقتصادية خالصة بالاتساق مع الاتفاقات الدولية الحاكمة وأودع الإعلان لدى الأمم المتحدة.

من اللافت أن الحكومة التركية هي التي أعدت نص الاتفاقية منذ أكثر من عام. واعتمدت على جماعات الضغط التابعة لها في طرابلس للدفع بالسراج إلى التوقيع عليها، وهو ما جعل عددا من الشخصيات المرتبطة بحكومة الوفاق وبتيار الإسلام السياسي تشير إلى أن التوقيع من قبل الطرف الليبي كان لترضية المقاتلين في الجبهات، وللرفع من معنوياتهم، خصوصا وأن الاتفاقية البحرية ارتبطت باتفاقية ثانية تنص على التعاون الأمني والعسكري.

وفي أكتوبر الماضي أعلنت صحيفة «يني شفق» التركية في مقال تحت عنوان “اتفاقية بين تركيا وليبيا يمكن أن تقلب الموازين في شرق المتوسط” أن تركيا تستطيع بعدما نجحت في القضاء على ممر الإرهاب في سوريا وضع خطوات مهمة في منطقة شرق البحر المتوسط عن طريق توقيع اتفاق مع ليبيا من أجل “تحديد مناطق النفوذ البحرية”.

وأشارت الصحيفة إلى أن الاتفاق هو وليد نظرية تضمنها كتاب “ليبيا جارة تركيا من البحر” الذي دعا فيه مؤلفه اللواء البحري بالجيش التركي جهاد يايجي إلى ضرورة توقيع الاتفاق مع ليبيا في أقرب فرصة للحيلولة “دون اغتصاب اليونان وقبرص اليونانية الجنوبية الحقوق في المنطقة”.

وتناول يايجي في كتابه، الذي نشره مركز أوراسيا للدراسات الإستراتيجية، الدور الليبي في تحديد مناطق النفوذ البحري في منطقة شرق البحر المتوسط. وأوضح المبررات القانونية لاتفاق تركيا مع ليبيا حول تحديد المناطق الاقتصادية الخالصة، مؤكدا أنّ “هذا الاتفاق سيفسد السيناريو الذي وضعته اليونان وقبرص اليونانية لتقاسم منطقة شرق المتوسط بعد اغتصاب حقوق تركيا”.

وكشف يايجي أن “القيمة الإجمالية لاحتياطي الغاز الطبيعي في شرق المتوسط تبلغ 3 تريليونات دولار أميركي”، لافتا إلى أن هذه الكمية كافية لتغطية احتياجات بلاده من الغاز الطبيعي 572 عاما، واحتياجات أوروبا 30 عاما.

واعتبر أن الاتفاق مع ليبيا في هذا الشأن سيكون بمثابة درع ضد اليونان وقبرص اليونانية ومصر، مشيرا إلى أن ما سماها بمنطقة النفوذ البحري التي سيتم تحديدها بين بلاده وليبيا ستحول “دون توقيع اليونان اتفاق منطقة اقتصادية خالصة مع قبرص اليونانية ومصر وتوقيع قبرص اليونانية اتفاقا مماثلا مع ليبيا”.

وأبرز يايجي أنّ المناطق الاقتصادية الخالصة بين تركيا وليبيا اللتين لديهما شواطئ بحرية متقابلة ”ستحول منطقة النفوذ البحري التي ستحدّد بين تركيا وليبيا إلى درع تركي بين اليونان وقبرص اليونانية ومصر إذ إنّ توقيع اتفاق مناطق النفوذ البحري بين تركيا وليبيا سيحول دون توقيع اليونان اتفاق منطقة اقتصادية خالصة مع قبرص اليونانية ومصر وتوقيع قبرص اليونانية اتفاقا مماثلا مع ليبيا كما أنّ هذا الاتفاق سيرسم الحدود الغربية للمنطقة الاقتصادية الخالصة التركية في شرق المتوسط”.

بعد أن تم الإعلان عن التوقيع على مذكرة التفاهم بين تركيا وليبيا، سارع وزير الخارجية اليوناني نيكوس ديندياس إلى التأكيد على أن “هذا الهدف من المذكرة لا يمكن إدراكه تماما، لأنه يتجاهل شيئا أعتقد أنه يمكن للجميع رؤيته، وهو أن هناك منطقة جغرافية كبيرة تفصل بين البلدين هي جزيرة كريت”.

وتبع ذلك بيان للمتحدث باسم وزارة الخارجية اليونانية ألكساندر جينيماتا، الذي اعتبر أن المذكرة التركية الليبية انتهاك صارخ للقانون الدولي، مؤكدا أن “توقيع مذكرة تفاهم بين تركيا وليبيا لن يتمكن من انتهاك الحقوق السيادية لثلاثة بلدان في إشارة إلى اليونان وقبرص ومصر، مثل هذا الإجراء ينتهك القانون البحري الدولي بشكل صارخ ولن يكون له أي تأثير قانوني، بالإضافة إلى ذلك، فإن مثل هذا الإجراء لا يتماشى مع مبدأ حسن الجوار الذي يجب أن يحكم العلاقات بين الدول المجاورة”.

وأكدت تقارير يونانية أن التوقيع على المذكرة يرتبط بشكل كبير بإرسال تركيا في 13 نوفمبر 2019 وثيقة إلى الأمم المتحدة تحدد الإحداثيات التي تعتبرها المنطقة الاقتصادية الخالصة التركية. وأضافت أنه بوضع ليبيا في اللعبة، فإن الجانب التركي يحاول إعطاء الشرعية لنفسه وفي الوقت نفسه يعطي الانطباع بأن قراره ليس عملا أحاديا، وإنما هناك نوع من الاتفاق مع دول المنطقة، ومع ذلك، فإن هذه هي الخطوة الوحيدة التي تمكنت تركيا من القيام بها، حيث أن كلا من اليونان وقبرص قد ربطتا اتفاقياتهما مع دول في المنطقة وهي مصر وإسرائيل ولبنان.

ويتضمن الخطاب التركي إلى الأمم المتحدة ما سمته أنقرة بمشروع “الوطن الأزرق” الذي ينصّ على تمدد الحدود التركية البحرية في شرق البحر المتوسط، حيث زعمت أن لها الحق في مناطق بحرية جنوب جزيرة رودس اليونانية، وهو ما يتجاهل عنوة وجود جزيرة يونانية في جنوب غرب بحر إيجة وهي دوديكانيسي، بجانب جزيرة كريت الكبيرة، وهما جزيرتان تقعان بين تركيا وليبيا بالبحر المتوسط.

وطالب الخطاب التركي أيضا اليونان ومصر وليبيا بمناقشة كيفية ترسيم الحدود البحرية في المنطقة غرب جزيرة رودس اليونانية بالمتوسط. وأكدت القاهرة وأثينا ونيقوسيا على “عدم وجود أي أثر قانوني” للاتفاق بين تركيا وحكومة الوفاق الليبية.

كانت الأزمة بين تركيا وقبرص قد بلغت أوجها في يوليو 2019 عقب وصول السفينة التركية (ياووز) إلى شرقي سواحل قبرص للتنقيب، بعد أن كانت قد بدأت بالفعل في أعمال التنقيب غربي جزيرة قبرص في بداية مايو بواسطة السفينة (فاتح)، بينما أعلنت الولايات المتحدة رفض التجاوزات التركية قبل أشهر.

وكشف الاتحاد الأوروبي في 11 نوفمبر 2019 عن إقراره نظاما لفرض عقوبات على تركيا، بسبب عمليات التنقيب عن الغاز غير المصرح بها في مياه البحر المتوسط، قبالة قبرص.

وتبنى وزراء خارجية التكتل الأوروبي آلية تسمح “بمعاقبة أفراد أو كيانات مسؤولة عن أنشطة التنقيب غير المصرح بها عن الهيدروكربونات أو المشاركة فيها”، ليكونوا بذلك قد توصلوا إلى نظام عقوبات على تركيا، وهو ما يعطي للدول الأعضاء إمكانية تقديم أسماء أولئك الذين تعتقد أنه ينبغي إدراجهم في القائمة.

ويرجح المراقبون أن تشمل العقوبات حظر السفر وتجميد الأصول بالنسبة للأشخاص و”الكيانات” مثل الشركات أو المنظمات، وسيتم منع مواطني وشركات الاتحاد الأوروبي من تقديم الأموال والتمويل لهم.

وفي يونيو 2019 أدان المجلس الأوروبي بشدة استمرار أنشطة تركيا غير القانونية في شرق البحر المتوسط وبحر إيجة، معربا عن قلقه البالغ إزاء عمليات الحفر التركية غير القانونية. وشجب عدم استجابة تركيا للنداءات المتكررة من الاتحاد الأوروبي بوقف هذه الأنشطة.

كما شدد المجلس الأوروبي على التأثير السلبي الخطير الحالي لهذه الأعمال غير القانونية على نطاق العلاقات بين تركيا والاتحاد الأوروبي، داعيا أنقرة إلى التحلي بضبط النفس واحترام الحقوق السيادية لقبرص والامتناع عن أي من هذه الأعمال.

وقال رئيس الوزراء اليوناني اليكسيس تسيبراس إن تركيا قد تواجه عواقب من أوروبا إذا استمرت في تحدي حق قبرص في التنقيب عن الغاز. وفي أوائل أكتوبر 2019 أعلنت أنقرة بدء جولة جديدة من عمليات الحفر في شرق المتوسط جنوبي قبرص، لتندلع بذلك أزمة جديدة بين قبرص وتركيا.

وأعربت نيقوسيا في بيان شديد اللهجة عن رفضها “أساليب البلطجة” التركية. وأكدت على حقها في حماية سيادتها داخل مياهها الإقليمية، مدعومة بتأييد أوروبي رافض للتجاوزات التركية، إذ أعربت بريطانيا عن استنكارها لأي أعمال تنقيب في المياه الإقليمية لقبرص، وأيدت حق نيقوسيا في استخراج النفط والغاز في منطقتها الاقتصادية الخالصة.

وترفض تركيا الاعتراف بالحدود البحرية لجزيرة قبرص، التي انقسمت إلى شطرين بعد غزو تركي عام 1974، حيث تمثل الحكومة القبرصية في الشطر اليوناني دولة قبرص في الاتحاد الأوروبي، بينما لا تعترف سوى أنقرة بدولة القبارصة الأتراك المنشقة في الشمال.

ويجمع المراقبون على أن حكومة الوفاق الليبية قد زجت بنفسها في صراع إقليمي ودولي لخدمة أهداف أردوغان التوسعية سواء ضد اليونان وقبرص المنضويتين تحت لواء الاتحاد الأوروبي أو ضد مصر التي يناصبها المجلس الرئاسي بطرابلس وحكومة حزب العدالة والتنمية التركية العداء بسبب مواقفها من قوى الإسلام السياسي والميليشيات الإرهابية الحاكمة في طرابلس.

من خلال الخطوة الأخيرة، وضعت حكومة السراج كل البيض في سلة أردوغان متجاهلة التوازنات السياسية والإستراتيجية في المنطقة وميزان التحالفات المعلنة أو غير المعلنة، بما يجعلها تفقد أي خط للتواصل مع الاتحاد الأوروبي وكذلك مع واشنطن التي سبق وأن عبرت عن رفضها لمحاولات التمدد التركي في شرق المتوسط، إلى جانب ثبوت تآمرها على الأمن القومي والاقتصادي لمصر.

يضاف إلى ذلك أن حكومة السراج أخلت ببنود اتفاقية الصخيرات المعلنة في ديسمبر 2015 وبمضامين الإعلان الدستوري الليبي التي تمنعها من توقيع أي اتفاقية مع دولة أجنبية دون موافقة البرلمان المنتخب.

درجات الحرارة
  • - °C

  • سرعه الرياح :
اسعار العملات
  • دولار أمريكى :
  • يورو :
  • ريال سعودي :

هل تؤيد الخيار العسكرى في أزمة سد النهضة ؟

نعم
69.473684210526%
لا
30.526315789474%