رئيس مجلس الإدارة أحمد الشناوي

رئيس التحرير محمد يوسف

محمد يوسفمحمد يوسف

وجع في قلب مصر!!

طباعة

الأربعاء , 04 ديسمبر 2019 - 03:37 مساءٍ

طوفان من مشاعر الحزن انتابتني طوال الأيام السابقة على إثر تكرار حوادث الانتحار ، والتي بكل أسف كان أغلب ضحاياها من شريحة الشباب ممن هم في مقتبل العمر والذين من المفترض أنهم بناة المستقبل وهم الهدف الأساسي من جميع المشروعات الكبرى التي تقوم بها الدولة لجعل مستقبل البلاد أفضل .

فما بين مشاهد تعليق المشنقة والانتحار على الهواء مباشرة (لايف) ، ومروراً بـ"طرطشة" الدماء على جوانب محطات المترو ، وانتهاءً بطالب الهندسة الذي قفز من أعلى برج القاهرة ليضعنا أمام صدمة كارثية لا تفارق ذاكرتنا ما حيينا ، لذا فإن المتتبع لأحداث الشارع المصري خلال الشهور الأخيرة يلحظ تنامي ظاهرة الانتحار بين الشباب ، فقد فاضت الدموع على طالب الهندسة الذي ألقى بنفسه من فوق برج القاهرة ، وسبقه حالات للانتحار تحت عجلات مترو الأنفاق أو غرقا في النيل ، أو الانتحار بحبل يعلق في سقف حجرة .

ولعل العام 2019 ، الذي يجمع حقائبه استعداداً للرحيل ، كان الأكثر دموية وسوداوية في مجال حوادث الانتحار ورغم عدم وجود إحصائيات رسمية منشورة حول عدد حالات أو محاولات الانتحار ، ربما لعدم إثارة الفزع في المجتمع أو منع تصدير صورة سلبية عن أحوال المجتمع إلى الخارج ، إلا أن هذا لا يقلل من خطورة الأزمة الحقيقية اجتماعياً وأمنياً وسياسياً بل واقتصادياً ، فمن المتعارف عليه دائماً أن الشباب هم قاطرة التنمية والنهضة في أي مجتمع .. فإذا أصيبت هذه الشريحة بداء اليأس والانتحار فإننا أمام زلزال مدمر بلا أدنى شك .

ورغم اتفاق المحللين النفسيين والاجتماعيين على أن أغلب من ينتحرون قد يكون لديهم منذ الصغر مشاعر تحقير للذات فيؤدي بهم الأمر في النهاية إلى التخلص من هذه الذات الضعيفة ، والبعض الآخر قد يكون لديه قدرات رائعة وحبيسة داخله فيفجرها بالتمرد على الحياة كلها ، فيما قد يمر آخرون بأزمات لم يتدربوا على كيفية التعامل معها ضغطت بشدة عليهم فرروا التخلص منها بالتخلص من الحياة نفسها إلا أنه من الخطأ بمكان تنحية المشكلات الحياتية التي تواجه الملايين في مصر كسبب أو دافع للانتحار .

فمع طول طوابير البطالة وتأخر سن الزواج وارتفاع تكاليف المعيشة يصبح قسم كبير من أبناء المجتمع المصري غير قادر على الاستمرار في الحياة نتيجة الضغوط الاقتصادية والنظر بسوداوية إلى المستقبل ، كما أن هناك انتحارات لأسباب عاطفية أو خلافات أسرية بالإضافة لأسباب تتعلق بالاضطرابات النفسية أو ما يسمى بالاكتئاب العميق أو الاكتئاب الانتحاري .

ومن بين الملامح الخطيرة لحوادث قتل النفس هي اقبال المنتحرين على تصوير أنفسهم وهم يتخلصون من الحياة ، هذا طبعا بخلاف من تكشف تفاصيله كاميرات المراقبة كما هو الحال في محطات المترو وبرج القاهرة ، فبدلاً من أن يقتل الشخص نفسه في صمت فهو يحمل المجتمع كله مسئولية ما آل إليه بإشهار موته ، وكأنه يقصد تحميل ذنبه للمجتمع بالكامل ، فهو يدرك تماماً أن واقعة موته ستتناقلها مواقع التواصل الاجتماعي لتصل إلى ملايين الناس وكأنه نوع من الاحتجاج على هذا المجتمع أو تلك الظروف القاسية التي أدت به إلى التخلص من حياته .

ومن الوقائع المخزية في حوادث الانتحار هذه خروج متحدث باسم هيئة مترو الأنفاق بتصريحات يقول فيها إن المترو ليس جهة انتحار ، وأن تلك الحوادث تكبد الدولة خسائر فادحة بسبب تعطل عمل المترو لعدة ساعات في كل مرة ، بخلاف عمليات الصيانة التي يتم إجراؤها بعد كل حادث مشيراً إلى تكوين فرق خاصة للرقابة على خطوط المترو الثلاثة لمنع مثل تلك الحالات ، وهذا بمثابة تهوين مرفوض من خطورة الظاهرة .

فلابد من تقوم الدولة بدراسة أسباب تزايد معدلات الانتحار وهو أمر يدخل في نطاق اختصاص كل من الجهات الأمنية التي يجب أن تدرس ما إذا كانت هذه الحوادث نوعا من الاحتجاج السياسي أم لا وكذلك المؤسسات البحثية وعلى رأسها المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية وكذلك المؤسسات الدينية لتعرف عما إذا كان هذا الأمر ناتج عن عدم ثقة في الدين خصوصا مع اهتزاز صورة كثير من رجال الدين مؤخراً في نظر الناس .

وإزاء تكرار هذه الحوادث فإننا نعلن رفضنا التام لاعتبارها وسيلة أو أسلوب لمواجهة المشاكل والأزمات أو حتى التعبير عن موقف بعينه ، وهنا يجدر الالتفات لغياب مؤسسات الدولة عن دورها المنوط بها إزاء هذه الظاهرة الملحوظة ، فهل كل ما تستطيع دار الإفتاء المصرية فعله نشر بيان على "فيس بوك" لتخطب فيه بين معشر الشباب بأن الانتحار كبيرة من الكبائر وجريمة في حق النفس والشرع ، ليس هذا فحسب بل تؤكد أن المنتحر ليس بكافر وكأنها تزين لمن يفكر في الانتحار اتمام فعلته .

كما أنه على كل أجهزة الدولة دراسة الظاهرة الخطيرة جيداً واتخاذ إجراءات وقرارات عملية على الأرض لبعث الأمل في نفوس أبناء مصر ورفع معنوياتهم ليس بالكلام فقط وإنما بإيجاد حلول جذرية للمشكلات المزمنة التي يعاني منها المصريون .. هذا إن كنا فعلاً نريد أن نواجه تلك الظاهرة .. وربنا يستر.

درجات الحرارة
  • - °C

  • سرعه الرياح :
اسعار العملات
  • دولار أمريكى :
  • يورو :
  • ريال سعودي :

هل تؤيد الخيار العسكرى في أزمة سد النهضة ؟

نعم
71.666666666667%
لا
28.333333333333%