هناء شلتوت تكتب: ”لايك وشير وكومنت”
إعمار النفوس هو الأساس الذي ينبني عليه عمارة الأرض كلها ولا يمكن أن نؤسس لمجتمع إنساني إلا بإعمار وتزكية الجانب الخلقي والإنساني فيه أولا، حيث دعا المولى -عز وجل- إلى الإعمار في الأرض وليس الخراب والتدمير فيها لقوله تعالى "هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا"، كما قال جل وعلا: «وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ»، وقال سبحانه: «وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا»، فقد بدأت عمارة الأرض بإعمار أهم كائن فيها لكونه أكبر مؤثر في من حوله من كائنات ألا وهو الإنسان، ولا شك في أن سيطرة الإنسان على قوي الطبيعة لا تكفي وحدها لبناء المجتمعات الحضارية، بل لا بد من أن ينضم إلى ذلك أيضا سيطرة الإنسان على نوازعه الداخلية، وأهوائه وشهواته حتى تكون منضبطة بالقيم الأخلاقية، وبذلك تتم عمارة الأرض كما أرادها الله.
وعندما عرض القرآن قصة بدء الخليقة والنشأة الأولى أشار إلى أن أكبر مهدد لاستمرار الحياة الطبيعية على هذا الكوكب إنما يأتي من سفك الدماء والإفساد في الأرض، يقول سبحانه وتعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ}، لذا أرسي الإسلام كذلك مبدأ المودة والرحمة بين أفراد الأسرة الواحدة، وأعلاها شأنا في علاقة الزواج، حيث جاء ذلك في قوله تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)، وذلك في إشارة واضحة إلى أن الحياة الزوجية هي أقوى الروابط الاجتماعية، كما وصفها الحق -سبحانه وتعالى- في محكم آياته بـ "الميثاق الغليظ" فقال تعالى: {وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا}، وذلك لقوة ومتانة هذا العقد الذي يصعب نقضه، فالعلاقات الزوجية قائمة في الأصل على العشرة بالمعروف، لقوله تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}.
وتقوم كذلك على الاحترام المتبادل بين الزوجين والأولاد، والحرص على البعد عما يحدث الشقاق في الأسرة، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا) رواه أحمد في مسنده، ويقول صلى الله عليه وسلم: (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي)، فالإسلام كلف الزوج بأن يحسن العشرة لزوجته: "وعاشروهن بالمعروف"، وأوصي النبي الكريم بحسن معاملة النساء في قوله: "استوصوا بالنساء خيرا"، كما أمر القرآن الكريم عند استحالة الحياة بينهما أن يفارقها بإحسان، وكذلك عدم التعسف في طلاقها لتترك حقها، وأن ينفق على أولاده حتى يبلغ الصبي ويقدر على الكسب، والفتاة حتى تتزوج، وأمره ألا ينسى ما كان بينهما من خير في قوله: "ولا تنسوا الفضل بينكم".
ومن كل ذلك يتبين أن الإسلام يريد للزواج أن يكون سكنا للإنسان وليس ساحة حرب يسودها الاضطراب والتهديد وإنهاء العلاقة مع الأخر بسكين إذا لزم الأمر!، والسؤال هنا هل تستحق أسمى العلاقات الإنسانية التي حفها القرآن الكريم بسياج المودة والرحمة تلك النهايات المفجعة التي اعتدنا سماعها هذه الآونة ليل نهار!، أم أن القضية أصبحت قضية ضياع الأخلاق وسط الانجراف إلى حياة الهواتف الذكية وثقافة "التريند" وفتح أبواب البيوت على مصراعيها أمام "الشير" و "اللايك" و "الكومنت"؟!.
اقرأ أيضاً
- هناء شلتوت تكتب: أفلاطون والأسرة .. وأشياء أخرى
- السيتي يفوز على توتنهام ويقترب من حصد البريميرليج
- التفسيرات الخاطئة للنصوص الدينية.. كيف يساهم الخطاب الديني في البناء الفكري للطفل والأسرة؟
- ريهام حافظ تكتب : المرأة والعنكبوت والتوت
- هناء شلتوت تكتب: ”متدين بطبعه”
- بهدف موديست..الأهلي يخطف فوزًا مثيرًا من بلدية المحلة بالدوري العام
- ماذا قال جوميز قبل مواجهة الزمالك ونهضة بركان في ذهاب نهائي الكونفدرالية؟
- ضبط المتهم بقتل صديقه وإلقائه وسط الزراعات بطنطا
- ليفركوزن يقصي روما ويتأهل لنهائي الدوري الأوروبي
- تعديل موعد مواجهة منتخب مصر وبوركينا فاسو في تصفيات المونديال
- أتالانتا يفوز على مارسيليا ويتأهل لنهائي الدوري الأوروبي ويواجه ليفركوزن
- ريال مدريد يتأهل لنهائي الأبطال بعد ريمونتادا مثيرة على بايرن ميونخ
فقد ظل المجتمع المصري لعقود طويلة يحمل مبادئ ترسيخ القيم والأخلاق والمودة من رب الأسرة، وإمام المسجد، وشيخ الكتاب، والتليفزيون، والمدرسة التي كانت بمثابة مجتمعا ناميا يعتد بالنوايا الحسنة، إلا أننا بتنا الآن نفقد كل هذه الأشياء الطيبة في زمن استشرى فيه سرطان التدني الأخلاقي والتجارة بكل فاجعة لإثارة مجتمع بات يوصف بـ"مجتمع التريند"، حتى أصبحت تفاصيل أقدس العلاقات مشاعا على ساحات السوشيال ميديا ينال منها القاصي والداني.
والأمر هنا لم يقف عند مشاهير تلك المواقع أو ما يتم وصفهم بالقوة الناعمة (الفنانين و لاعبي الكرة) التي تؤثر بدورها في أي مجتمع، فهنا تجد فنانة شهيرة تنشر تفاصيل خلافاتها الزوجية عبر خاصية "استورى"، وهناك فنان آخر شهير يعلن انفصاله بإلغاء متابعة زوجته على مواقع التواصل الاجتماعي، ناهيك عن لاعب كرة يطلق زوجته على الهواء، وآخر تفضحه ابنته بعدم انفاقه عليهم بعد الطلاق وامتناعه عن شراء ملابسهم من إحدى سلاسل المحال التجارية الشهيرة، فقد تخطت حوادث وحكايات "التريند" تلك الفئة لتطال هذه المرة أسرة بسيطة وتسطر تحت عنوان "ومن الحب ما قتل" مأساة فتاة المنصورة "نيرة أشرف" ضحية الغدر التي أصبح لها متابعوها، وإن دققنا الوصف فقد أصبح لها مرتزقة، فعلى مدار قرابة الشهر لا يغفو المجتمع ويفيق إلا على سماع حكاية جديدة من نسج الخيال وتفاصيل من هؤلاء الذين أطلقوا على أنفسهم "إنفلونسرز"، و "بلوجرز"، التي فاجئتنا واقعتها بأن للعدالة الاجتماعية وجوه كثيرة!، يمكنها أن تنصف الجاني وتذبح الضحية بنفس السكين مرتين، الأولى بأنامل الغل، والثانية بأنامل "التريند"، التي جعلت من الجاني بطلا من ورقَ!.
حكايات القتل ونهايات العلاقات الزوجية بهذا الشكل الفج لم تقف عند حدود تلك الواقعة، بل تخطت مجتمع العامة لتصل أيضا إلى مجتمع الصفوة فهذا قاض يقرر إنهاء علاقته بزوجته الإعلامية بشكل أكثر وحشية حيث لم يكفه قتلها بل أخذ في إمعان جبروته بسكب "ماء النار" قاصدا إخفاء معالم جريمته، إلا أن في هذه الواقعة كان للقدر كلمة أخرى، واستطاعت السلطات إحكام قبضتها على كافة تفاصيل القضية.
ولو انتقلنا من الواقع المصري أو العربي بشكل عام لمحيط آخر من كوكب الأرض فلم يختلف الأمر كثيرا، فالإنسان هو ذاك الإنسان المعادي لكل ما هو ضعيف على وجه البسيطة، فمن مدينة أتلانتا الأمريكية تطالعنا الصحف الأجنبية أيضا بخبر إقدام رجل على إنهاء حياة موظفة بمطعم للوجبات السريعة بسبب المايونيز!، وكشفت السلطات أن المشتبه به قام بإطلاق الرصاص على العاملة، لأنها قدمت شطيرته بكمية زائدة من المايونيز، هكذا أصبح قرار إنهاء شخص لحياة أخر أمرا في غاية البساطة!.
وإذا كان الفيلسوف الإنجليزي المعروف "توماس هوبز" قد ذهب في تصوره إلى حد رؤية الإنسان ذئبا بالنسبة لأخيه الإنسان، وأن الكل في حرب ضد الكل، فإن الإسلام قد رسخ مبدئا تقوم عليه العلاقات الإنسانية بدءا من عمارة الإنسان للأرض ومسئولية الكل عن الكل، الأمر الذي يمثل قمة التكافل والتعاون والتراحم بين البشر.
أما علاقات الزواج فيكفيها من البداية الاختيار الحسن وكفي، فالزواج من الأمور التي ينبغي على كلا الزوجين بذل الأسباب لإنجاحه على الوجه الأمثل، وهو ما حثنا عليه القرآن الكريم والهدى النبوي وإلا تكن فتنة وفساد في الأرض، فالله خلق حواء من آدم (خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا)، ثم قال (لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا)، أي يسكن في قلبها وتسكن في قلبه، وتكون هي المكان الذي يشعر فيه بذاته ويستعيد فيه قواه، كما عبر القرآن أيضا عن هذا المعنى بقوله تعالى: "هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ"، إلا أننا تناسينا التقاليد السامية التي نزلت في كل الأديان السماوية، لذا علموا أولادكم أن الإنسان وظيفته هي عمار الأرض ونشر كل القيم السامية، وأن الحياة في الواقع أجمل بكثير من الحياة في الهواتف الذكية.